ابن كثير
268
البداية والنهاية
أدارت مرو رأس أبي السرايا * وأبقت عبرة للعالمينا وكان الذي في يده البصرة من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ، ويقال له زيد النار ، لكثرة ما حرق من البيوت التي للمسودة ، فأسره علي بن سعيد وأمنه وبعث به وبمن معه من القواد إلى اليمن لقتال من هناك من الطالبيين . وفيها خرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ، ويقال له الجزار لكثرة من قتل من أهل اليمن ، وأخذ من أموالهم . وهو الذي كان بمكة وفعل فيها ما فعل كما تقدم ، فلما بلغه قتل أبي السرايا هرب إلى اليمن ، فلما بلغ نائب اليمن خبره ترك اليمن وسار إلى خراسان واجتاز بمكة وأخذ أمه منها . واستحوذ إبراهيم هذا على بلاد اليمن وجرت حروب كثيرة يطول ذكرها ، ورجع محمد بن جعفر العلوي عما كان بزعمه ، وكان قد ادعى الخلافة بمكة ، وقال : كنت أظن أن المأمون قد مات وقد تحققت حياته ، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما كنت ادعيت من ذلك ، وقد رجعت إلى الطاعة وأنا رجل من المسلمين . ولما هزم هرثمة أبا السرايا ومن كان معه من ولاة الخلافة وهو محمد بن محمد وشى بعض الناس إلى المأمون أن هرثمة راسل أبا السرايا وهو الذي أمره بالظهور ، فاستدعاه المأمون إلى مرو فأمر به فضرب بين يديه ووطئ بطنه ثم رفع إلى الحبس ثم قتل بعد ذلك بأيام ، وانطوى خبره بالكلية . ولما وصل خبر قتله إلى بغداد عبثت العامة والحربية بالحسن بن سهل نائب العراق وقالوا : لا نرضى به ولا بعماله ببلادنا ، وأقاموا إسحاق بن موسى المهدي نائبا ، واجتمع أهل الجانبين على ذلك ، والتفت على الحسن بن سهل جماعة من الأمراء والأجناد ، وأرسل من وافق العامة على ذلك من الأمراء يحرضهم على القتال ، وجرت الحروب بينهم ثلاثة أيام في شعبان من هذه السنة . ثم اتفق الحال على أن يعطيهم شيئا من أرزاقهم ينفقونها في شهر رمضان ، فما زال يمطلهم إلى ذي القعدة حتى يدرك الزرع ، فخرج في ذي القعدة زيد بن موسى الذي يقال له زيد النار ، ومعه ( 1 ) أخو أبي السرايا ، وقد كان خروجه هذه المرة بناحية الأنبار ، فبعث إليه علي بن هشام نائب بغداد عن الحسن بن سهل والحسن بالمدائن إذ ذاك فأخذ وأتي به إلى علي بن هشام ، وأطفأ الله ثائرته . وبعث المأمون في هذه السنة يطلب من بقي من العباسيين ، وأحصى كم العباسيون فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ، ما بين ذكور وإناث . وفيها قتلت الروم ملكهم إليون ، وقد ملكهم سبع سنين ، وملكوا عليهم ميخائيل نائبه . وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل ، لأنه قال للمأمون : يا أمير الكافرين . فقتل صبرا بين يديه . وفيها حج بالناس محمد بن المعتصم بن هارون الرشيد . وفيها توفي من الأعيان :
--> ( 1 ) من الطبري 10 / 237 وفى الأصل : وهو ، تحريف ، فزيد النار ليس أخا لأبي السرايا .